مجمع البحوث الاسلامية

867

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الآلوسيّ : أي بكلّ واحد منهما ، لأنّ النّفي أحقّ بالعموم وأدلّ عليه . [ إلى أن قال : ] واستشكل ابن عطيّة هذه الآية بأنّ ظاهرها يستدعي أنّ أجر الصّدقة يبطل بأحد هذين الأمرين ، ولا يمكن توجّه الإبطال بذلك إلى نفس الصّدقة ، لأنّها قد ثبتت في الواقع ، فلا يعقل إبطالها ، ومن العقيدة أنّ السّيّئات لا تبطل الحسنات ، خلافا للمعتزلة ، والآية أحد متمسّكاتهم . وأجيب بأنّ الصّدقة الّتي يعلم اللّه تعالى من صاحبها أنّه يمنّ ويؤذي لا تقبل حتّى قيل : إنّه سبحانه يجعل للملك علامة فلا يكتبها ، والإبطال المتنازع فيه إنّما هو في عمل صحيح وقع عند اللّه تعالى في حيّز القبول ، وما هنا ليس كذلك ، فمعنى ( لا تبطلوا ) حينئذ لا تأتوا بهذا العمل باطلا ، كذا قالوا . ولا يخفى أنّه خلاف الظّاهر ، إلّا أنّ قوله تعالى : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ فيه نوع تأييد له ، بناء على أنّ ( كالّذى ) في محلّ نصب ، إمّا على أنّه نعت لمصدر محذوف ، أي لا تبطلوها إبطالا كإبطال الّذي إلخ ، وإمّا على أنّه حال من فاعل ( لا تبطلوا ) أي لا تبطلوها مشابهين الّذي ينفق ، أي الّذي يبطل إنفاقه بالرّئاء . ووجه التّأييد أنّ المرائي بالإجماع لم يأت بالعمل مقبولا صحيحا ، وإنّما أتى به باطلا مردودا ، وقد وقع التّشبيه في البين ، فتدبّر . ( 3 : 34 ) رشيد رضا : بيّن سبحانه وتعالى في الآيتين السّابقتين أنّ ترك المنّ والأذى شرط لحصول الأجر على الإنفاق في سبيله ، وأنّ العدول عن الصّدقة الّتي يتبعها الأذى إلى قول وعمل آخر يكرم به الفقير أو تؤيّد به المصلحة العامّة خير من نفس تلك الصّدقة في الغاية الّتي شرعت لها . ثمّ أقبل تعالى على خطاب المؤمنين ، ونهاهم نهيا صريحا أن يبطلوا صدقاتهم بالمنّ والأذى ، وفي ذلك من المبالغة في التّنفير عن هاتين الرّذيلتين ما يقتضيه ولوع النّاس بهما . قال الأستاذ الإمام رحمه اللّه تعالى : واستدلّت المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصّالحة ، حتّى كأنّها لم تعمل . وأجيب عن الآية : بأنّ المراد بها لا تبطلوا ثواب صدقاتكم ، وبغير ذلك من التّكلّف الّذي لا يحتاج إليه ، لأنّ الكلام في إحباط المنّ والأذى للفائدة المقصودة من الصّدقة ، وهي تخفيف بؤس المحتاجين وكشف أذى الفقر عنهم إذا كانت الصّدقة على الأفراد ، وتنشيط القائمين بخدمة الأمّة ومساعدتهم إذا كانت الصّدقة في مصلحة عامّة . فإذا أتبعت الصّدقة بالمنّ والأذى كان ذلك هدما لما بنته وإبطالا لما عملته ، وكلّ عمل لا يؤدّي إلى الغاية المقصودة منه فقد حبط وبطل ، كأنّه لم يكن ، فكيف إذا أتبع بضدّ الغاية ونقيضها ! كذلك تكون صلاة المرائي باطلة ، لأنّ الغرض منها لم يحصل ، وهو توجّه القلب إلى اللّه تعالى ، واستشعار سلطانه ، والإذعان لعظمته والشّكر لإحسانه ، وقلب المرائي إنّما يتوجّه إلى من يرائيه . هذا هو معنى إبطال المنّ والأذى للصّدقة ، والّذي